وَأَمَّا الْهِلَالُ فَطُلُوعُهُ وَرُؤْيَتُهُ بِالْمَغْرِبِ سَابِقٌ ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مِن المَغْرِبِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ مَا يَطْلُعُ مِن المَغْرِبِ غَيْرُهُ وَسَبَبُ ظُهُورِهِ بُعْدُهُ عَنْ الشَّمْسِ فَكُلَّمَا تَأَخَّرَ غُرُوبُهَا ازْدَادَ بُعْدُهُ عَنْهَا فَمَنْ اعْتَبَرَ بُعْدَ الْمَسَاكِنِ مُطْلَقاً فَلَمْ يَتَمَسَّكْ بِأَصْلِ شَرْعِيٍّ وَلَا حِسِّيٍّ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ هِلَالَ الْحَجِّ : مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَتَمَسَّكُونَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْحُجَّاجِ الْقَادِمِينَ وَإِنْ كَانَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا اعْتَبَرْنَا حَدّاً : كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ الْأَقَالِيمَ فَكَانَ رَجُلٌ فِي آخِرِ الْمَسَافَةِ وَالْإِقْلِيمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ وَيَنْسُكَ وَآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَلْوَةُ سَهْمٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ .
فَالصَّوَابُ فِي هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ } فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنَّهُ رَآهُ بِمَكَانِ مِن الأَمْكِنَةِ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ وَجَبَ الصَّوْمُ .
وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ نَهَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِمْ إمْسَاكُ مَا بَقِيَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ إقْلِيمٍ أَوْ إقْلِيمَيْنِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 105
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٥