جَاءَ بِهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعَذِّبْهُ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبْهُ عَلَى بَعْضِ شَرَائِطِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ أَوْلَى وَأَحْرَى .
وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ .
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ { طَائِفَةً مِن أَصْحَابِهِ ظَنُّوا أَنَّ قَوْله تَعَالَى { الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ } هُوَ الْحَبْلَ الْأَبْيَضَ مِن الْحَبْلِ الْأَسْوَدِ ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرْبِطُ فِي رِجْلِهِ حَبْلاً ، ثُمَّ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا مِن هَذَا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَاضُ النَّهَارِ ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ } .
وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَمَّارُ أَجْنَبَا ، فَلَمْ يُصَلِّ عُمَرُ حَتَّى أَدْرَكَ الْمَاءَ ، وَظَنَّ عَمَّارٌ أَنَّ التُّرَابَ يَصِلُ إلَى حَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ فَتَمَرَّغَ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ وَلَمْ يَأْمُرْ وَاحِداً مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ ، وَكَذَلِكَ أَبُو ذَرٍّ بَقِيَ مُدَّةً جُنُباً لَمْ يُصَلِّ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَضَاءِ ، بَلْ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ قَالَتْ : إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً تَمْنَعُنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ ، فَأَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ زَمَنَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْقَضَاءِ .
وَلَمَّا حُرِّمَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ تَكَلَّمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِي فِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 42
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢