وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي السُّجُودِ الْمُطْلَقِ لِغَيْرِ سَبَبٍ هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ أَمْ لَا ؟ وَمَنْ سَوَّغَهُ يَقُولُ : هُوَ خُضُوعٌ لِلَّهِ وَالسُّجُودُ هُوَ الْخُضُوعُ قَالَ تَعَالَى : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ } قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ السُّجُودُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْخُضُوعُ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن المُفَسِّرِينَ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعاً مُنْحَنِينَ فَإِنَّ الدُّخُولَ مَعَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُمْكِنُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً } وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ لَيْسَ سُجُودُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَضْعَ جِبَاهِهَا عَلَى الْأَرْضِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ : { إنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
فَعُلِمَ أَنَّ السُّجُودَ اسْمُ جِنْسٍ وَهُوَ كَمَالُ الْخُضُوعِ لِلَّهِ وَأَعَزُّ مَا فِي الْإِنْسَانِ وَجْهُهُ فَوَضْعُهُ عَلَى الْأَرْضِ لِلَّهِ غَايَةُ خُضُوعِهِ بِبَدَنِهِ وَهُوَ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } فَصَارَ مِنْ جِنْسِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُشْرَعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ كَالتَّسْبِيحِ ؛ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَكُلُّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 284
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٤