الْمُقْتَصِدِينَ { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } الْآيَاتِ { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ } .
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ مَأْمُورٌ بِهِ وَأَصْلَ الْكُفْرِ نَقِيضُهُ وَهُوَ تَرْكُ هَذَا الْإِيمَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهَذَا الْوَجْهُ قَاطِعٌ بَيِّنٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ أَوَّلَ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ كَانَ مِنْ أَبِي الْجِنِّ وَأَبِي الْإِنْسِ أَبَوَيْ الثَّقَلَيْنِ الْمَأْمُورَيْنِ وَكَانَ ذَنْبُ أَبِي الْجِنِّ أَكْبَرَ وَأَسْبَقَ وَهُوَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ السُّجُودُ إبَاءً وَاسْتِكْبَاراً وَذَنْبُ أَبِي الْإِنْسِ كَانَ ذَنْباً صَغِيراً { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } وَهُوَ إنَّمَا فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهُوَ الْأَكْلُ مِن الشَّجَرَةِ ؛ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِذَنْبِ ؛ وَأَنَّ آدَمَ تَأَوَّلَ حَيْثُ نُهِيَ عَنْ الْجِنْسِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } فَظَنَّ أَنَّهُ الشَّخْصُ فَأَخْطَأَ ؛ أَوْ نَسِيَ وَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَيْسَا مُذْنِبَيْنِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ وَالشِّيعَةِ وَكَثِيرٌ مِن المُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُوجِبُ عِصْمَةَ الْأَنْبِيَاءِ مِن الصَّغَائِرِ وَهَؤُلَاءِ فَرُّوا مِنْ شَيْءٍ وَوَقَعُوا فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 88
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٨