بِمِنَى سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْبٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِلْجَمْعِ أَسْبَاباً غَيْرَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَمَا يَجُوزُ فِي الطَّوِيلِ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزْهُ إلَّا فِي الطَّوِيلِ لَا فِي الْقَصِيرِ .
وَظَنَّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِمِنَى ثُمَّ قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ } وَهَذَا بَاطِلٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا الَّذِي فِي السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا صَلَّى فِي مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَكَذَلِكَ قَدْ نَقَلُوا هَذَا عَنْ عُمَرَ .
وَيُرْوَى أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا حَجَّ أَمَرَ أَبَا يُوسُفَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ : أَتَقُولُ لَنَا هَذَا وَمِنْ عِنْدَنَا خَرَجَتْ السُّنَّةُ ؟ وَقَالَ : هَذَا مِنْ فِقْهِك تَكَلَّمَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 361
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦١