مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ نَقْلُ مُثْبِتِ النِّزَاعِ عَلَى نَافِيهِ وَلَا نَافِيهِ عَلَى مُثْبِتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْضاً أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى النَّصِّ وَلَا يُقَدِّمَ النَّصَّ عَلَيْهِ بَلْ يَقِفُ لِعَدَمِ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا عِنْدَهُ ؛ فَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الْمُثْبِتُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يُعَارِضْهُ إجْمَاعٌ يَعْمَلُ بِهِ وَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى مُثْبِتِ الْإِجْمَاعِ وَالنِّزَاعِ فَمَنْ عُرِفَ مِنْهُ كَثْرَةُ مَا يَدَّعِيه مِن الإِجْمَاعِ وَالْأَمْرِ بِخِلَافِهِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ إثْبَاتُ إجْمَاعٍ عُلِمَ انْتِفَاؤُهُ وَكَذَلِكَ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ فِي نَقْلِ النِّزَاعِ أَنَّهُ لَا يَغْلَطُ إلَّا نَادِراً لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ كَثْرَةُ الْغَلَطِ .
وَإِذَا تَضَافَرَ عَلَى نَقْلِ النِّزَاعِ اثْنَانِ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ فَهَذَا يَثْبُتُ بِهِ النِّزَاعُ بِخِلَافِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ تَضَافَرَ عَلَيْهِ عَدَدٌ لَمْ يُسْتَفَدْ بِذَلِكَ إلَّا عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالنِّزَاعِ وَهَذَا لِمَنْ أَثْبَتَ النِّزَاعَ فِي جَمْعِ الثَّلَاثِ وَمَنْ نَفَى النِّزَاعَ مَعَ أَنَّ عَامَّةَ مَنْ أَثْبَتَ النِّزَاعَ يَذْكُرُ نَقْلاً صَحِيحاً لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَيْسَ مَعَ النَّافِي مَا يُبْطِلُهُ .
وَكَثِيرٌ مِن الفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ : إنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ تَلَقِّي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ فَيَجْعَلُونَ نُصُوصَ أَئِمَّتِهِمْ بِمَنْزِلَةِ نَصِّ الرَّسُولِ وَيُقَلِّدُونَهُمْ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَثِيراً مِن النَّاسِ يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيدِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ الَّتِي لَا يَسْتَقِلُّ هُوَ بِمَعْرِفَتِهَا وَمِنْ سَالِكِي طَرِيقِ الْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْفَقْرِ وَالتَّصَوُّفِ مَنْ يَجْعَلُ شَيْخَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 272
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٢