وَمَنْ ادَّعَى إجْمَاعاً يُخَالِفُ نَصَّ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يَكُونُ مُوَافِقاً لِمَا يَدَّعِيه ؛ وَاعْتَقَدَ جَوَازَ مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ لِلرَّسُولِ بِرَأْيِهِمْ ؛ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْسَخُ النَّصَّ كَمَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ فَهَذَا مِنْ جِنْسِ هَؤُلَاءِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَدُلُّ عَلَى نَصٍّ لَمْ يَبْلُغْنَا يَكُونُ نَاسِخاً لِلْأَوَّلِ .
فَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ قَوْلاً سَدِيداً فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِي ذَلِكَ يُبَيِّنُ لَهُ فَسَادَ مَا قَالَهُ كَمَنْ عَارَضَ حَدِيثاً صَحِيحاً بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقّاً لَكِنْ يُبَيِّنُ لَهُ ضَعْفَهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُبَيِّنَ لَهُ عَدَمَ الْإِجْمَاعِ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ أَوْ يُبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ تَجْتَمِعْ الْأُمَّةُ عَلَى مُخَالَفَةِ نَصٍّ إلَّا وَمَعَهَا نَصٌّ مَعْلُومٌ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ النَّاسِخُ لِلْأَوَّلِ فَدَعْوَى تَعَارُضِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بَاطِلَةٌ وَيُبَيِّنُ لَهُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ مَعْلُومَةٌ مَحْفُوظَةٌ وَالْأُمَّةُ مَأْمُورَةٌ بِتَتَبُّعِهَا وَاتِّبَاعِهَا وَأَمَّا ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهَا بِغَيْرِ نَصٍّ فَهَذَا لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَ ذَلِكَ النَّصَّ .
وَالْإِجْمَاعُ نَوْعَانِ : قَطْعِيٌّ .
فَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يُعْلَمَ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ .
وَأَمَّا الظَّنِّيُّ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ الإقراري والاستقرائي : بِأَنْ يَسْتَقْرِئَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَجِدُ فِي ذَلِكَ خِلَافاً أَوْ يَشْتَهِرُ الْقَوْلُ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يَعْلَمُ أَحَداً أَنْكَرَهُ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ وَإِنْ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 267
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٧