وَمَشْهُورٍ وَخَبَرٍ وَاحِدٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَكْثَرُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مَعْلُومَةٌ مُتْقَنَةٌ تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَأَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهَا وَإِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومٌ مِن الخَطَأِ كَمَا أَنَّ إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْأَحْكَامِ مَعْصُومٌ مِن الخَطَأِ وَلَوْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُكْمٍ كَانَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ أَحَدِهِمْ خَبَرَ وَاحِدٍ أَوْ قِيَاساً أَوْ عُمُوماً فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ خَبَرٍ أَفَادَ الْعِلْمَ وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ؛ لَكِنَّ إجْمَاعَهُمْ مَعْصُومُ عَنْ الْخَطَأِ .
ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهَا قَدْ تَتَوَاتَرُ وَتَسْتَفِيضُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهَا لِبَعْضِهِمْ لِعِلْمِهِ بِصِفَاتِ الْمُخْبِرِينَ وَمَا اقْتَرَنَ بِالْخَبَرِ مِنْهُ الْقَرَائِنُ الَّتِي تُفِيدُ الْعِلْمَ كَمَنْ سَمِعَ خَبَراً مِن الصِّدِّيقِ أَوْ الْفَارُوقِ يَرْوِيه بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدْ كَانُوا شَهِدُوا مِنْهُ مَا شَهِدَ وَهُمْ مُصَدِّقُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } هُوَ مِمَّا تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَلَيْسَ هُوَ فِي أَصْلِهِ مُتَوَاتِراً ؛ بَلْ هُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ لَكِنْ لَمَّا تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ صَارَ مَقْطُوعاً بِصِحَّتِهِ .
وَفِي السُّنَنِ أَحَادِيثُ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ } فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ فِي السُّنَنِ لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 49
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩