يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ تَقْتَضِي فِعْلَ مَحْبُوبَاتِهِ وَتَرْكَ مَكْرُوهَاتِهِ وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي هَذَا تَفَاضُلاً عَظِيماً فَمَنْ كَانَ أَعْظَمَ نَصِيباً مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ شَخْصاً لِهَوَاهُ مِثْلَ أَنْ يُحِبَّهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا مِنْهُ أَوْ لِحَاجَةِ يَقُومُ لَهُ بِهَا أَوْ لِمَالِ يَتَأَكَّله بِهِ أَوْ بِعَصَبِيَّةٍ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الأَشْيَاءِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مَحَبَّةً لِلَّهِ بَلْ هَذِهِ مَحَبَّةٌ لِهَوَى النَّفْسِ وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تُوقِعُ أَصْحَابَهَا فِي الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ .
وَمَا أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي حُبَّ مَشَايِخَ لِلَّهِ وَلَوْ كَانَ يُحِبُّهُمْ لِلَّهِ لَأَطَاعَ اللَّهَ الَّذِي أَحَبَّهُمْ لِأَجْلِهِ فَإِنَّ الْمَحْبُوبَ لِأَجْلِ غَيْرِهِ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَكَيْفَ يُحِبُّ شَخْصاً لِلَّهِ مَنْ لَا يَكُونُ مُحِبّاً لِلَّهِ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مُحِبّاً لِلَّهِ مَنْ يَكُونُ مُعْرِضاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَبِيلِ اللَّهِ ؟ وَمَا أَكْثَرُ مَنْ يُحِبُّ شُيُوخاً أَوْ مُلُوكاً وَغَيْرَهُمْ فَيَتَّخِذُهُمْ أَنْدَاداً يُحِبُّهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَالْمَحَبَّةِ مَعَ اللَّهِ ظَاهِرٌ فَأَهْلُ الشِّرْكِ يَتَّخِذُونَ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يُحِبُّونَ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ أَصْلُ حُبِّهِمْ هُوَ حُبُّ اللَّهِ وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ أَحَبَّ اللَّهَ فَمَحْبُوبُ الْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ لِلَّهِ يُحِبُّ اللَّهَ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَيُحِبُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 316
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٦