تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وَكَذَلِكَ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ وَنَحْوِهِ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ وَلَا نُصُوصَ الْوَعِيدِ - فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِن الكَبَائِرِ - بِمُنَافِيَةٍ لِنُصُوصِ قَبُولِ التَّوْبَةِ فَلَيْسَتْ آيَةُ الْفُرْقَانِ بِمَنْسُوخَةٍ بِآيَةِ النِّسَاءِ ؛ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ يَقِيناً أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فِيهِ وَعِيدٌ فَإِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ ؛ إذْ نُصُوصُ التَّوْبَةِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ النُّصُوصِ كَالْوَعِيدِ فِي الشِّرْكِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَالسِّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الذُّنُوبِ . وَمَنْ قَالَ مِن العُلَمَاءِ : تَوْبَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ . فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ الَّتِي تُلَائِمُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوْبَةَ الْمُجَرَّدَةَ تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ مِن العِقَابِ . وَأَمَّا حَقُّ الْمَظْلُومِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ وَهَذَا حَقٌّ . وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَسَائِرِ الظَّالِمِينَ . فَمَنْ تَابَ مِنْ ظُلْمٍ لَمْ يَسْقُطْ بِتَوْبَتِهِ حَقُّ الْمَظْلُومِ لَكِنْ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِ أَنْ يُعَوِّضَهُ بِمِثْلِ مَظْلِمَتِهِ . وَإِنْ لَمْ يُعَوِّضْهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِن العِوَضِ فِي الْآخِرَةِ فَيَنْبَغِي لِلظَّالِمِ التَّائِبِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِن الحَسَنَاتِ حَتَّى إذَا اسْتَوْفَى الْمَظْلُومُونَ حُقُوقَهُمْ لَمْ يَبْقَ مُفْلِساً . وَمَعَ هَذَا فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَوِّضَ الْمَظْلُومَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ كَمَا إذَا شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ . وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ الْقِصَاصِ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 187 | ابن تيمية