أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْعِهِ وَلَا ضَرِّهِ مَعَ عِظَمِ مَا يُوصِلُ إلَيْهِمْ مِن النَّعْمَاءِ ؛ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مِن البَلَاءِ .
وَجَلْبُ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الدِّينِ أَوْ فِي الدُّنْيَا ؛ فَصَارَتْ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : الْهِدَايَةُ : وَالْمَغْفِرَةُ ؛ وَهُمَا : جَلْبُ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ فِي الدِّينِ وَالطَّعَامِ ؛ وَالْكُسْوَةِ وَهُمَا : جَلْبُ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ فِي الدُّنْيَا .
وَإِنْ شِئْت قُلْت : الْهِدَايَةُ وَالْمَغْفِرَةُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَلِكُ الْبَدَنِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ الْإِرَادِيَّةِ .
وَالطَّعَامُ وَالْكُسْوَةُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْبَدَنِ : الطَّعَامُ لِجَلْبِ مَنْفَعَتِهِ وَاللِّبَاسُ لِدَفْعِ مَضَرَّتِهِ .
وَفَتْحُ الْأَمْرِ بِالْهِدَايَةِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ الْهِدَايَةُ النَّافِعَةُ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالدِّينِ فَكُلُّ أَعْمَالِ النَّاسِ تَابِعَةٌ لِهُدَى اللَّهِ إيَّاهُمْ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } { وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } وَقَالَ مُوسَى : { رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } وَقَالَ تَعَالَى : { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } وَقَالَ : { إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } .
وَلِهَذَا قِيلَ : الْهُدَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : الْهِدَايَةُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا ؛ فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ ؛ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 171
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧١