اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ } فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } .
قَالَ ابْن عُيَيْنَة : السُّنَّةُ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَمَّا ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ فِي { نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ } قَالَ : وَالْفُقَهَاءُ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ .
يَقُولُ : هُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ؛ وَمَا نَهَى عَنْهُ فَيَعْرِفُونَ أَعْيَانَ الْأَفْعَالِ الْمَوْجُودَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا وَأَعْيَانَ الْأَفْعَالِ الْمَحْظُورَةِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا .
وَتَفْسِيرُ كَلَامِهِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ مَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ ؛ بَلْ هُوَ بَيَانُهُ وَشَرْحُهُ وَكَشْفُ مَعْنَاهُ .
فَالتَّفْسِيرُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ : يُفَسَّرُ الْكَلَامُ بِكَلَامٍ يُوَضِّحُهُ .
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَهُوَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ .
وَالنَّوْعُ الثَّانِي : الْخَبَرُ كَإِخْبَارِ الرَّبِّ عَنْ نَفْسِهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَإِخْبَارِهِ عَمَّا ذِكْرِهِ لِعِبَادِهِ مِن الوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ : { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ : { يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : { انْطَلِقُوا إلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } وَقَوْلِهِ : { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } { قُلْ إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ }
مجموعة الفتاوى — صفحة 369
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٩