الْجَنَّةِ مِن المَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ لَا يُمَاثِلُ مَا خَلَقَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الِاسْمِ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ .
قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ لَبَناً وَخَمْراً وَعَسَلاً وَمَاءً وَحَرِيراً وَذَهَباً وَفِضَّةً وَتِلْكَ الْحَقَائِقُ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ .
فَالْخَالِقُ تَعَالَى أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مِن المَخْلُوقِ إلَى الْمَخْلُوقِ .
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيماً حَلِيماً رَؤُوفاً رَحِيماً سَمِيعاً بَصِيراً عَزِيزاً مَلِكاً جَبَّاراً مُتَكَبِّراً .
مُؤْمِناً عَظِيماً كَرِيماً غَنِيّاً شَكُوراً .
كَبِيراً حَفِيظاً شَهِيداً حَقّاً وَكِيلاً وَلَّيَا وَسَمَّى أَيْضاً بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَسَمَّى الْإِنْسَانَ سَمِيعاً بَصِيراً وَسَمَّى نَبِيَّهُ رَؤُوفاً رَحِيماً وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ مَلِكاً وَبَعْضَهُمْ شَكُوراً وَبَعْضَهُمْ عَظِيماً وَبَعْضَهُمْ حَلِيماً وَعَلِيماً وَسَائِرُ مَا ذَكَرَ مِن الأَسْمَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِن المَخْلُوقِينَ مُمَاثِلاً لِلْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي شَيْءٍ مِن الأَشْيَاءِ .
وَكَذَلِكَ النِّزَاعُ فِي لَفْظِ التَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمِن النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : هُوَ مُتَحَيِّزٌ وَهُوَ فِي جِهَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَلَيْسَ فِي جِهَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ فِي جِهَةٍ وَلَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَلَفْظُ الْمُتَحَيِّزِ يَتَنَاوَلُ الْجِسْمَ وَالْجَوْهَرَ الْفَرْدَ وَلَفْظُ الْجَوْهَرِ قَدْ يُرَادُ بِهِ
مجموعة الفتاوى — Page 326
Contributors: ابن تيمية
P.326