الشَّرْعُ عَلَيْهِ فَيُبَيِّنُهُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ قَدَّرَ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اعْتِقَادُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إلَيْهِ وَإِنْ قَدَّرَ أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ .
وَمَسْأَلَةُ تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَتَرْكِيبُهَا مِن الجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ قَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْكَلَامِ .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ بِهَذَا تَارَةً وَبِهَذَا تَارَةً .
وَأَكْثَرُ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا : أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَجْسَامَ لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً وَلَا مُرَكَّبَةً لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِعَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ قَوْلَهُ : إنَّ اللَّهَ جِسْمٌ وَيُنَاظِرُ عَلَى الْمَعْنَى الصَّحِيحِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بَلْ يَكْفِيهِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْعِبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ وَأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِعَ النَّفْيَ بِهَذَا الِاسْمِ وَيُنَاظِرَ عَلَى مَعْنَاهُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ بِعَقْلِهِ ؛ بَلْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَعْلُومُ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ يُمْكِنُ إظْهَارُهُ بِعِبَارَةٍ لَا إجْمَالَ فِيهَا وَلَا تَلْبِيسَ وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِن الجَوَاهِرِ يَدَّعِي كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ هَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ أَكْثَرُ أَجْزَاءً مِنْهُ .
وَيَقُولُونَ : هَذَا جَسِيمٌ أَيْ كَثِيرُ الْأَجْزَاءِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 320
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٠