الشَّافِعِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ دَاعِيَتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ تَامَّةً مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَفَاعَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ : { يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي } .
وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالشَّفَاعَةِ إلَيْهِ فَكَانَ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ يَقُولُ : { اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ } أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ؛ وَكَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُمْ يُؤْجَرُونَ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَهُوَ إنَّمَا يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ } بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ إيَّاهُ كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : { لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا } فَكَانَ فِي هَذَا النَّفْيِ إثْبَاتُ أَنَّ عِبَادَهُ لَا يَعْلَمُونَ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ إيَّاهُ فَأَثْبَتَ أَنَّهُ الَّذِي عَلَّمَهُمْ لَا يَنَالُونَ الْعِلْمَ إلَّا مِنْهُ .
فَإِنَّهُ : { الَّذِي خَلَقَ } { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } وَ { عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } .
ثُمَّ قَالَ : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } أَيْ لَا يُكْرِثُهُ وَلَا يُثْقِلُهُ .
وَهَذَا النَّفْيُ تَضَمَّنَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ فَإِنَّهُ مَعَ حِفْظِهِ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يَثْقُلُ عَلَى مَنْ فِي قُوَّتِهِ ضَعْفٌ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَسِّ اللُّغُوبِ .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ :
مجموعة الفتاوى — صفحة 110
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٠