وَقَالَ :
فَصْلٌ
وَلِجَمَاعَةِ مِن الفُضَلَاءِ كَلَامٌ فِي قَوْله تَعَالَى { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ } { وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ } لِمَ ابْتَدَأَ بِالْأَخِ وَمِنْ عَادَة الْعَرَبِ أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَهَمِّ ؟
فَلَمَّا سُئِلْت عَنْ هَذَا قُلْت : إنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ فِي كُلِّ مَقَامٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ فَتَارَةً يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِالْأَعْلَى وَتَارَةً بِالْأَدْنَى وَهُنَا الْمُنَاسَبَةُ تَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِالْأَدْنَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ فِرَارِهِ عَنْ أَقَارِبِهِ مُفَصَّلاً شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ فَلَوْ ذَكَرَ الْأَقْرَبَ أَوَّلاً لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ الْأَبْعَدِ فَائِدَةٌ طَائِلَةٌ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا فَرَّ مِن الأَقْرَبِ فَرَّ مِن الأَبْعَدِ وَلَمَا حَصَلَ لِلْمُسْتَمِعِ اسْتِشْعَارُ الشِّدَّةِ مُفَصَّلَةً فَابْتُدِئَ بِنَفْيِ الْأَبْعَدِ مُنْتَقِلاً مِنْهُ إلَى الْأَقْرَبِ فَقِيلَ أَوَّلاً .
{ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ } فَعُلِمَ أَنَّ ثَمَّ شِدَّةً تُوجِبُ ذَلِكَ .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ غَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَفِرَّ .
فَقِيلَ { وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ } فَعُلِمَ أَنَّ الشِّدَّةَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْفِرَارَ مِن الأَبَوَيْنِ .
ثُمَّ قِيلَ { وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ } فَعُلِمَ أَنَّهَا طَامَّةٌ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْفِرَارَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 74
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٤