تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
وَقَوْلُهُ { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } نَفْيُ الْعِبَادَةِ مُطْلَقاً لَيْسَ هُوَ نَفْيٌ لِمَا قَدْ يُسَمَّى عِبَادَةً مَعَ التَّقْيِيدِ . وَالْمُشْرِكُ إذَا كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَعْبُدُ غَيْرَهُ فَيُقَالُ : إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وَغَيْرَهُ أَوْ يَعْبُدُهُ مُشْرِكاً بِهِ . لَا يُقَالُ : إنَّهُ يَعْبُدُ مُطْلَقاً . وَالْمُعَطِّلُ الَّذِي لَا يَعْبُدُ شَيْئاً شَرٌّ مِنْهُ . وَالْعِبَادَةُ الْمُطْلَقَةُ الْمُعْتَدِلَةُ هِيَ الْمَقْبُولَةُ وَعِبَادَةُ الْمُشْرِكِ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً . وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا قَوْلُهُ : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ } الْآيَةَ . قَالُوا فِيهَا { نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ } ثُمَّ قَالُوا : { إلَهاً وَاحِداً } . فَهَذَا بَدَلٌ مِن الأَوَّلِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ . فَإِنَّ النَّكِرَةَ تُبْدَلُ مِن المَعْرِفَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ { لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ } { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } فَذُكِرَتْ مُعَرَّفَةً وَمَوْصُوفَةً . كَذَلِكَ قَالُوا { نَعْبُدُ إلَهَكَ } فَعَرَّفُوهُ ثُمَّ قَالُوا { إلَهاً وَاحِداً } فَوَصَفُوهُ . وَالْبَدَلُ فِي حُكْمِ تَكْرِيرِ الْعَامِلِ أَحْيَاناً كَمَا فِي قَوْلِهِ { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } فَالتَّقْدِيرُ : نَعْبُدُ إلَهَك نَعْبُدُ إلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . فَجَمَعُوا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَمْرَيْنِ بِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ إلَهَهُ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ إلَهاً وَاحِداً . فَمَنْ عَبَدَ إلَهَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَابِداً لِإِلَهِهِ وَإِلَهِ آبَائِهِ . وَإِنَّمَا يَعْبُدُ إلَهَهُ مَنْ عَبَدَ إلَهاً وَاحِداً . وَلَوْ كَانَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ عَابِداً لَهُ لَكَانَتْ عِبَادَتُهُ نَوْعَيْنِ عِبَادَةَ إشْرَاكٍ وَعِبَادَةَ إخْلَاصٍ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ