قَالَ : وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ .
وَذَكَرَ الثَّلَاثَةُ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ عَطِيَّةَ لَكِنَّ الثَّالِثَ وَجَّهَهُ وَقَوَّاهُ وَلَمْ يَحْكِهِ عَنْ غَيْرِهِ .
فَقَالَ : قَوْلُهُ : { مُنْفَكِّينَ } أَيْ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ .
تَقُولُ : انْفَكَّ الشَّيْءُ عَنْ الشَّيْءِ إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ .
قَالَ : و " مَا انْفَكَّ " الَّتِي هِيَ مِنْ أَخَوَاتِ " كَانَ " لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ مُنْفَكَّةً .
قَالَ : وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَنْ مَاذَا ؟ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ : لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ حَتَّى جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ وَأَوْقَعَ الْمُسْتَقْبَلَ مَوْقِعَ الْمَاضِي فِي { تَأْتِيهِمْ } لِأَنَّ بَأْسَ الشَّرِيعَةِ وَعِظَمَهَا لَمْ يَجِئْ بَعْدُ .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ : لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّوَكُّدُ لِأَمْرِهِ حَتَّى جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ : وَذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلَى أَنَّ هَذَا الْمَنْفِيَّ الْمُتَقَدِّمَ مَعَ " مُنْفَكِّينَ " بِجَعْلِهِمْ تِلْكَ هِيَ مَعَ " كَانَ " وَيُرْوَى التَّقْدِيرُ فِي خَبَرِهَا " عَارِفِينَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ " أَوْ نَحْوَ هَذَا .
قَالَ : وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بَارِعُ الْمَعْنَى .
وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : لَمْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ مُنْفَكِّينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ حَتَّى
مجموعة الفتاوى — صفحة 484
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٨٤