لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وَقَوْلُهُ : { ألم } { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } .
وَهُنَا لَطِيفَةٌ تُزِيلُ إشْكَالاً يُفْهَمُ هُنَا وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْمُتَّقِي الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِن المُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ هَذَا أَوَّلاً مُمْتَنِعٌ ؛ إذْ لَا يَكُونُ مُؤْمِناً مُتَّقِياً مَنْ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً مِن القُرْآنِ .
وَثَانِياً أَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَ الْمَشْرُوطَ لَا يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ تَقَدُّماً زَمَانِيّاً كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ .
وَثَالِثاً أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَبِينَ شَيْئَانِ : " أَحَدُهُمَا " أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ بِالِاهْتِدَاءِ وَالِاتِّعَاظِ وَالرَّحْمَةِ هُوَ وَإِنْ كَانَ مُوجِباً لَهُ ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ مَعَ الْفَاعِلِ مِن القَابِلِ إذْ الْكَلَامُ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَنْ لَا يَكُونُ قَابِلاً لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَهْدِيَ وَيَعِظَ وَيَرْحَمَ وَهَذَا حَالُ كُلِّ كَلَامٍ .
" الثَّانِي " أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُهْتَدِينَ بِهَذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ وَيُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى كَمَا يُقَالُ الْمُتَعَلِّمُونَ لِكِتَابِ بقراط هُمْ الْأَطِبَّاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَطِبَّاءَ قَبْلَ تَعَلُّمِهِ بَلْ بِتَعَلُّمِهِ وَكَمَا يُقَالُ : كِتَابُ سِيبَوَيْهِ كِتَابٌ عَظِيمُ الْمَنْفَعَةِ لِلنُّحَاةِ وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا صَارُوا نُحَاةً بِتَعَلُّمِهِ وَكَمَا يُقَالُ : هَذَا مَكَانٌ مُوَافِقٌ لِلرُّمَاةِ وَالرِّكَابِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 15
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥