وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عُلُوَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ اللَّازِمَةِ لَهُ .
فَلَا يَجُوزُ اتِّصَافُهُ بِضِدِّ الْعُلُوِّ أَلْبَتَّةَ .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ } وَلَمْ يَقُلْ " تَحْتَك " .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ لَا يَجْعَلُونَهُ مُتَّصِفاً بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ .
بَلْ إمَّا أَنْ يَصِفُوهُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ الْعُلُوَّ وَالسُّفُولَ .
وَهُمْ نَوْعَانِ .
فالْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يَصِفُونَهُ بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ .
فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَالْأَمْكِنَةُ مِنْهَا عَالٍ وَسَافِلٌ .
فَهُوَ فِي الْعَالِي عَالٍ وَفِي السَّافِلِ سَافِلٌ .
بَلْ إذَا قَالُوا إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَجَعَلُوا الْأَمْكِنَةَ كُلَّهَا مَحَالّ لَهُ - ظُرُوفاً وَأَوْعِيَةً جَعَلُوهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَعْلَى مِنْهُ .
فَإِنَّ الْمَحَلَّ يَحْوِي الْحَالَّ وَالظَّرْفَ وَالْوِعَاءَ يَحْوِي الْمَظْرُوفَ الَّذِي فِيهِ وَالْحَاوِيَ فَوْقَ المحوى .
وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ إذَا قَالُوا " إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 100
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٠