وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ الْمُحِبِّينَ لِلَّهِ وَأَفْضَلُ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ وَأَفْضَلُ الْعَابِدِينَ لَهُ وَأَفْضَلُ الْعَارِفِينَ بِهِ وَأَفْضَلُ التَّائِبِينَ إلَيْهِ وَتَوْبَتُهُ أَكْمَلُ مِنْ تَوْبَةِ غَيْرِهِ ؛ وَلِهَذَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .
وَبِهَذِهِ الْمَغْفِرَةِ نَالَ الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : " { أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ مِنْ آدَمَ فَيَقُولُ : إنِّي نُهِيت عَنْ الْأَكْلِ مِن الشَّجَرَةِ فَأَكَلْت مِنْهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي .
وَيَطْلُبُونَهَا مِنْ نُوحٍ فَيَقُولُ : إنِّي دَعَوْت عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ دَعْوَةً لَمْ أومر بِهَا .
نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي .
وَيَطْلُبُونَهَا مِن الخَلِيلِ ثُمَّ مِنْ مُوسَى ثُمَّ مِن المَسِيحِ فَيَقُولُ : اذْهَبُوا إلَى مُحَمَّدٍ عَبْدٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .
قَالَ : فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي خَرَرْت لَهُ سَاجِداً فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ فَيَقُولُ : أَيْ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَقُلْ تُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ أُمَّتِي فَيَحِدُّ لِي حَدّاً فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ } " .
فَالْمَسِيحُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - دَلَّهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَ بِكَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَكَمَالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَيْنِ وَالْخَالِقِ نَسَبٌ إلَّا مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ مِن العَبْدِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 56
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٦