لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ فَضْلاً عَنْ التِّلَاوَةِ وَكُلُّهُمْ يُقِرُّ هَذَا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُهُ أَحَدٌ فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ عَادَةً وَيُعْلَمُ مِنْ دِينِ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ ؛ بَلْ يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ أَنْ يَدْعُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُنْكَراً لَا يُغَيِّرُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَا غَرَضَ لِأَحَدِ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَوْ قِيلَ لِعُثْمَانِ : مُرْ الْكَاتِبَ أَنْ يُغَيِّرَهُ لَكَانَ تَغْيِيرُهُ مِنْ أَسْهَلِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ .
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِخَطَأِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْمُصْحَفِ لَحْناً أَوْ غَلَطاً وَإِنْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً فَالْخَطَأُ جَائِزٌ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَهُ ؛ بِخِلَافِ الَّذِينَ نَقَلُوا مَا فِي الْمُصْحَفِ وَكَتَبُوهُ وَقَرَؤُوهُ فَإِنَّ الْغَلَطَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَكَمَا قَالَ عُثْمَانُ : إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ فَاكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَقْرِئْ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَلَا تُقْرِئْهُمْ بِلُغَةِ هذيل ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ بِلُغَةِ هذيل .
وقَوْله تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْمَهُ هُمْ قُرَيْشٌ كَمَا قَالَ : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ } .
وَأَمَّا كِنَانَةُ فَهُمْ جِيرَانُ قُرَيْشٍ وَالنَّاقِلُ عَنْهُمْ ثِقَةٌ وَلَكِنَّ الَّذِي يَنْقُلُ بِنَقْلِ مَا سَمِعَ وَقَدْ يَكُونُ سَمِعَ ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ الْمَبْنِيَّةِ فَظَنَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ ؛ بِخِلَافِ مَنْ سَمِعَ " بَيْنَ أُذُنَاهُ " و " لَنَابَاهُ " فَإِنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْهَمَةً .
مجموعة الفتاوى — صفحة 254
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٤