وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ :
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } الْآيَتَيْنِ .
لَفْظُ " الْإِنْزَالِ " فِي الْقُرْآنِ يَرِدُ " مُقَيَّداً " بِأَنَّهُ مِنْهُ كَالْقُرْآنِ وَبِالْإِنْزَالِ مِن السَّمَاءِ وَيُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ كَالْمَطَرِ و " مُطْلَقاً " فَلَا يَخْتَصُّ بِنَوْعِ ؛ بَلْ يَتَنَاوَلُ إنْزَالَ الْحَدِيدِ مِن الجِبَالِ وَالْإِنْزَالَ مِنْ ظُهُورِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ : { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ } بَيَانٌ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ بِهِ مِن اللَّهِ كَقَوْلِهِ : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } أَيْ أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ؛ فَإِنَّ الْخَائِنَ قَدْ يُغَيِّرُ الرِّسَالَةَ .
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ .
مِنْهَا : بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ خَلْقَهُ فِي جِسْمٍ كالْجَهْمِيَّة مِن المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ يُسَمُّونَ مَنْ قَالَ بِخَلْقِهِ وَنَفَى الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةَ جهميا ؛ فَإِنَّ جَهْماً أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَتْ عَنْهُ بِدْعَةُ نَفْيِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ مَزِيَّةُ الْمُبَالَغَةِ وَالِابْتِدَاءِ بِكَثْرَةِ إظْهَارِهِ وَإِنْ كَانَ جَعْدٌ سَبَقَهُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ ؛ لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ وَافَقُوهُ فِي الْبَعْضِ فَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي مِثْلِ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْقَدَرِ وَبَعْضِ الصِّفَاتِ وَجَهْمٌ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ لَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 221
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢١