وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِن المُفَسِّرِينَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِين بِالْأَسْحَارِ } أَنَّ الصَّابِرِينَ رَسُولُ اللَّهِ وَالصَّادِقِينَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَانِتِينَ عُمَرُ وَالْمُنْفِقِينَ عُثْمَانُ وَالْمُسْتَغْفِرِين عَلِيٌّ وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ } أَبُو بَكْرٍ { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } عُمَرُ { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } عُثْمَانُ { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } عَلِيٌّ .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : { وَالتِّينِ } أَبُو بَكْرٍ { وَالزَّيْتُونَ } عُمَرُ { وَطُورِ سِينِينَ } عُثْمَانُ { وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } عَلِيٌّ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَارَةً تَفْسِيرَ اللَّفْظِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَالِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ وقَوْله تَعَالَى { وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } كُلُّ ذَلِكَ نَعْتٌ لِلَّذِينَ مَعَهُ وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ خَبَراً بَعْدَ خَبَرٍ .
و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّهَا كُلَّهَا صِفَاتٌ لِمَوْصُوفِ وَاحِدٍ وَهُمْ الَّذِينَ مَعَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُرَاداً بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَتَتَضَمَّنُ تَارَةً جَعْلَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ مُنْحَصِراً فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ : إنَّ قَوْلَهُ : { إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } أُرِيدَ بِهَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : أَنَّ قَوْلَهُ : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ وَقَوْلِهِ : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ } أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ
مجموعة الفتاوى — صفحة 360
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٠