جَزَاؤُهُ وَاَلَّذِي لَهُ قُدْرَةٌ لَكِنْ لَا يَرَى مَا فَعَلَ إنْ جَازَاهُ بِلَا عِلْمٍ كَانَ ظَالِماً مُعْتَدِياً فَلَا بُدَّ لَهُ مِن العِلْمِ بِمَا فَعَلَ .
وَلِهَذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَحْتَاجُ إلَى الشُّهُودِ وَالْمُلُوكُ يَحْتَاجُونَ إلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ يُخْبِرُونَهُمْ بِمَقَادِيرِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا ؛ لِيَكُونَ عَمَلُهُمْ بِعِلْمِ . . . ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ؟ وَلَنْ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ يَقُولُ : أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَحَدٌ وَلِهَذَا كَانَ ذَاكَ الْخَائِفُ مِنْ رَبِّهِ الَّذِي أَمَرَ أَهْلَهُ بِإِحْرَاقِهِ وذرايته يَعْلَمُ أَنَّ الْجَزَاءَ مُتَعَلِّقٌ بِالْقُدْرَةِ فَقَالَ : { لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَاباً مَا عَذَّبَهُ أَحَداً مِن العَالَمِينَ } .
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُهَدِّدُ بِالْقُدْرَةِ لِكَوْنِ الْمَقْدُورِ يَقْتَرِنُ بِهَا ؛ كَمَا يُهَدِّدُ بِالْعِلْمِ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ يَقَعُ مَعَهُ كَمَا فِي { قَوْله تَعَالَى { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ : أَعُوذُ بِوَجْهِك أَعُوذُ بِوَجْهِك { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } فَقَالَ : هَاتَانِ أَهْوَنُ } وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي ذِكْرِ الْقُدْرَةِ وَنَوْعِ الْمَقْدُورِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : أَيْنَ تَهْرُبُ مِنِّي ؟ أَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُمْسِكَك .
وَكَذَلِكَ فِي الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ هُنَا : { أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ }
مجموعة الفتاوى — صفحة 317
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٧