يَعْلَمُ السِّرَّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ } وَكَانَ ذَلِكَ مَا أَسَرَّهُ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ تَبُوكَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُ رَوَى أَنَّ جَمَاعَةً مِن المُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يَحِلُّوا حِزَامَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ لِيَسْقُطَ عَنْ بَعِيرِهِ فَيَمُوتَ وَأَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَانَ حُذَيْفَةُ قَرِيباً مِنْهُ فَأَسَرَّ إلَيْهِ أَسْمَاءَهُمْ .
وَيُقَالُ إنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَقَائِقِ الدِّينِ وَلَا مِن البَاطِنِ الَّذِي يُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَخْبَارِهِمْ مَا ذَكَرَهُ حَتَّى أَنَّ سُورَةَ " بَرَاءَة " سُمِّيَتْ الْفَاضِحَةَ لِكَوْنِهَا فَضَحَتْ الْمُنَافِقِينَ وَسُمِّيَتْ الْمُبَعْثِرَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِن الأَسْمَاءِ لَكِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَذْكُرْ فُلَاناً وَفُلَاناً فَإِذَا عَرَفَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فُلَاناً وَفُلَاناً مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْمَوْصُوفِينَ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَعْرِيفِهِ أَنَّ فُلَاناً وَفُلَاناً مِن المُؤْمِنِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْجَنَّةِ فَإِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا فِي الْجَنَّةِ كَإِخْبَارِهِ أَنَّ أُولَئِكَ مُنَافِقُونَ وَهَذَا إذَا كَانَ مِن العِلْمِ الْبَاطِنِ فَهُوَ مِن البَاطِنِ الْمُوَافِقِ لِلظَّاهِرِ الْمُحَقِّقِ لَهُ الْمُطَابِقِ لَهُ .
وَنَظِيرُهُ فِي " الْأَمْرِ " مَا يُسَمَّى " تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ " وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ قَدْ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِوَصْفِ فَنَعْلَمُ ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ كَأَمْرِهِ بِاسْتِشْهَادِ ذوي عَدْلٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ فُلَاناً وَفُلَاناً فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا ذُو
مجموعة الفتاوى — صفحة 254
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٤