{ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
فَأَمَرَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِالْبُرْهَانِ عَلَى هَذَا النَّفْيِ الْعَامِّ وَمَا فِيهِ مِن الإِثْبَاتِ الْبَاطِلِ ثُمَّ قَالَ : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمَّنْ مَضَى مِمَّنْ كَانَ مُتَمَسِّكاً بِدِينِ حَقٍّ مِن اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَعَنْ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْ جَمَعَ " الْخِصَالَ الثَّلَاثَ " الَّتِي هِيَ جِمَاعُ الصَّلَاحِ وَهِيَ الْإِيمَانُ بِالْخَلْقِ وَالْبَعْثِ : بِالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ ؛ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ؛ وَهُوَ أَدَاءُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
فَإِنَّ لَهُ حُصُولُ الثَّوَابِ وَهُوَ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَانْدِفَاعُ الْعِقَابِ .
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ وَلَا يَحْزَنُ عَلَى مَا وَرَاءَهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } إخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وَهُوَ مُحْسِنٌ .
ف " الْأَوَّلُ " وَهُوَ إسْلَامُ الْوَجْهِ هُوَ النِّيَّةُ وَهَذَا " الثَّانِي " - وَهُوَ الْإِحْسَانُ - هُوَ الْعَمَلُ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هُوَ الْإِيمَانُ الْعَامُّ وَالْإِسْلَامُ الْعَامُّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ مِن الأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 469
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٩