مُتَكَلِّمٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ إلَّا مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَلَا مُرِيدٌ إلَّا مَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَلَا مُحِبٌّ وَلَا رَاضٍ وَلَا مُبْغِضٌ وَلَا رَحِيمٌ إلَّا مَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى وَالْبُغْضُ وَالرَّحْمَةُ وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ انْتَسَبَ فِي الْفِقْهِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِن المُعْتَزِلَةِ .
وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ وَلَا فِي الْقَدْرِ وَلَا الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَلَا إنْفَاذِ الْوَعِيدِ .
ثُمَّ تَنَازَعَ الْمُعْتَزِلَةُ والْكُلَّابِيَة فِي حَقِيقَةِ " الْمُتَكَلِّمِ " فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ : الْمُتَكَلِّمُ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ وَلَوْ أَنَّهُ أَحْدَثَهُ فِي غَيْرِهِ لِيَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ .
وَقَالَتْ الْكُلَّابِيَة : الْمُتَكَلِّمُ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّماً بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا فَعَلَ فِعْلاً أَصْلاً بَلْ جَعَلُوا الْمُتَكَلِّمَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيِّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا حَاصِلَةً بِفِعْلِ مِنْ أَفْعَالِهِ .
وَأَمَّا السَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ فَالْمُتَكَلِّمُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
لَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْكَلَامُ وَلَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَانَ كُلٌّ مِنْ تينك الطَّائِفَتَيْنِ الْمُبْتَدِعَتَيْن أَخَذَتْ بَعْضَ وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ : الْمُعْتَزِلَةُ أَخَذُوا أَنَّهُ فَاعِلٌ والْكُلَّابِيَة أَخَذُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الْكَلَامِ ثُمَّ زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهُ يَكُونُ فَاعِلاً لِلْكَلَامِ فِي غَيْرِهِ وَزَعَمُوا هُمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْكُلَّابِيَة كَأَبِي الْحَسَنِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 312
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٢