تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَمَعَ هَذَا فَيَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ رُوَاةَ الشِّعْرِ وَمُنْشِدِيهِ لَمْ يَسْلُبُوا الشُّعَرَاءَ نَفْسَ صِفَاتِهِمْ حَتَّى حَلَّتْ بِهِمْ بَلْ وَلَا نَفْسُ مَا قَامَ بِأُولَئِكَ مِنْ صِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ كَأَصْوَاتِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ حَلَّتْ بِالرُّوَاةِ وَالْمُنْشِدِينَ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِي كَلَامَهُ أَوْ غَيْرَ كَلَامِهِ فَارَقَ ذَاتَه وَحَلَّ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَأَنَّ مَا قَامَ بِالْمَخْلُوقِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ كَحَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ هِيَ صِفَاتُ الْبَارِي حَلَّتْ فِيهِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَخْلُوقِ بَلْ يُمَثِّلُونَ الْعِلْمَ بِنُورِ السَّرَّاجِ يَقْتَبِسُ مِنْهُ الْمُتَعَلِّمُ وَلَا يَنْقُصُ مَا عِنْدَ الْعَالِمِ كَمَا يَقْتَبِسُ الْمُقْتَبِسُ ضَوْءَ السِّرَاجِ فَيُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ ضَوْءاً كَمَا يُقَالُ : إنَّ الْهَوَى يَنْقَلِبُ نَاراً بِمُجَاوَرَةِ الْفَتِيلَةِ لِلْمِصْبَاحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَغَيَّرَ تِلْكَ النَّارُ الَّتِي فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمُقْرِئُ وَالْمُعَلِّمُ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُ الْعِلْمَ وَلَمْ يَنْقُصْ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْءٌ ؛ بَلْ يَصِيرُ عِنْدَ الْمُتَعَلِّمِ مِثْلَ مَا عِنْدَهُ . وَلِهَذَا يُقَالُ : فُلَانٌ يَنْقُلُ عِلْمَ فُلَانٍ وَيَنْقُلُ كَلَامَهُ وَيُقَالُ : الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ فُلَانٍ صَارَ إلَى فُلَانٍ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ : نَقَلْت مَا فِي الْكِتَابِ وَنَسَخْت مَا فِي الْكِتَابِ أَوْ نَقَلْت الْكِتَابَ أَوْ نَسَخْته وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ نَفْسَ الْحُرُوفِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَدِمَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ فِي الثَّانِي ؛ بَلْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ مِن الكُتُبِ وَنَقْلِهَا مِنْ جِنْسِ نَقْلِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي الثَّانِي