وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْغَلَطِ فِي فَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَنْشَأَ الرَّجُلُ عَلَى اصْطِلَاحٍ حَادِثٍ فَيُرِيدُ أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَ اللَّهِ بِذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ وَيَحْمِلَهُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا .
وَمَا ذُكِرَ فِي مُسَمَّى " الْكَلَامِ " مَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ : وَاعْلَمْ " أَنَّ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى أَنْ تُحْكَى وَإِنَّمَا يُحْكَى بَعْدَ الْقَوْلِ مَا كَانَ كَلَاماً قَوْلاً ؛ وَإِلَّا فَلَا يُوجَدُ قَطُّ لَفْظُ الْكَلَامِ وَالْكَلِمَةِ إلَّا لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَفْظُ الْحَرْفِ يُرَادُ بِهِ الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَحُرُوفُ الْمَعَانِي وَاسْمُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ ؛ وَلِهَذَا سَأَلَ الْخَلِيلُ أَصْحَابَهُ : كَيْفَ تَنْطِقُونَ بِالزَّايِ مَنْ زَيْدٌ ؟ فَقَالُوا : زَاي فَقَالَ نَطَقْتُمْ بِالِاسْمِ وَإِنَّمَا الْحَرْفُ زه ؛ فَبَيَّنَ الْخَلِيلُ أَنَّ هَذِهِ الَّتِي تُسَمَّى حُرُوفَ الْهِجَاءِ هِيَ أَسْمَاءٌ .
وَكَثِيراً مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ هَذَا " حَرْفٌ مِن الغَرِيبِ " يُعَبِّرُونَ بِذَلِكَ عَنْ الِاسْمِ التَّامِّ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ } " مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ : " وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ " .
وَعَلَى نَهْجِ ذَلِكَ : وَذَلِكَ حَرْفٌ وَالْكِتَابُ حَرْفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ أَحْرُفٌ وَالْكِتَابَ أَحْرُفٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّراً فِي بَعْضِ الطُّرُقِ .
وَالنُّحَاةُ اصْطَلَحُوا اصْطِلَاحاً خَاصّاً فَجَعَلُوا لَفْظَ " الْكَلِمَةِ " يُرَادُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 107
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٧