فَرْقٌ بَيْنَ مَا يُثْبِتُونَهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّهُ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومِ فَيَتَنَاقَضُونَ يُثْبِتُونَهُ مِنْ وَجْهٍ وَيَجْحَدُونَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ .
وَيَقُولُونَ : إنَّهُ وُجُودٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَمَيَّزُ بِصِفَةِ .
وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ مَوْجُوداً فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ مَا هُوَ مُطْلَقٌ لَا يَتَعَيَّنُ وَلَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا يُقَدِّرُهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ فَيُقَدِّرُ أَمْراً مُطْلَقاً وَإِنْ كَانَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَصَارَ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلُونَ لَا يَجْعَلُونَ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُوداً مُبَايِناً لِخَلْقِهِ ؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَجْعَلُوهُ مُطْلَقاً فِي ذِهْنِ النَّاسِ أَوْ يَجْعَلُوهُ حَالاً فِي الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ يَقُولُونَ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَخَلَقَهَا فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا وَلَمْ يُدْخِلْهَا فِيهِ فَلَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا .
فالْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةُ نفاة الصِّفَاتِ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ - الَّذِينَ امْتَحَنُوا الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ - كَانُوا عَلَى هَذَا الضَّلَالِ فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَصَرَهُمْ .
بَقِيَ هَذَا النَّفْيُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فَصَارُوا يُظْهِرُونَ تَارَةً مَعَ الرَّافِضَةِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَتَارَةً مَعَ الْجَهْمِيَّة الِاتِّحَادِيَّةِ وَتَارَةً يُوَافِقُونَهُمْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 484
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٨٤