إنْ شِئْتُمْ { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } } .
وَأَيْضاً فَكُلُّ مَا فُطِرَتْ الْقُلُوبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ فَاَللَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ عَلَى الْكَمَالِ وَكُلُّ مَا فِي غَيْرِهِ مِنْ مَحْبُوبٍ فَهُوَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يُحَبَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْكَمَالِ .
وَإِنْكَارُ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إنْكَارٌ لِكَوْنِهِ إلَهاً مَعْبُوداً كَمَا أَنَّ إنْكَارَ مَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ يَسْتَلْزِمُ إنْكَارَ مَشِيئَتِهِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ إنْكَارَ كَوْنِهِ رَبّاً خَالِقاً فَصَارَ إنْكَارُهَا مُسْتَلْزِماً لِإِنْكَارِ كَوْنِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ .
وَلِكَوْنِهِ إلَهَ الْعَالَمِينَ .
وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالْجُحُودِ .
وَلِهَذَا اتَّفَقَتْ الْأُمَّتَانِ قَبْلَنَا عَلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ مَأْثُورٍ وَحِكَمٍ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ أَنَّ أَعْظَمَ الْوَصَايَا أَنْ تُحِبَّ اللَّهَ بِكُلِّ قَلْبِك وَعَقْلِك وَقَصْدِك وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ .
وَإِنْكَارُ ذَلِكَ هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ أَعْدَاءِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مُتَفَلْسِفٍ وَمُتَكَلِّمٍ وَمُتَفَقِّهٍ وَمُبْتَدِعٍ أَخَذَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ ؛ وَظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ مِن الإسْماعيليَّة وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ إمَامُ الْحُنَفَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ } { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } وَقَالَ أَيْضاً : { لَا أُحِبُّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 73
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٣