وَأَمَّا قَوْلُهُ : { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ } وَحَدِيثُ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } قَالَ الْحَسَنُ : بِالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ وَعَنْ عَطَاءٍ : بِالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَعَنْ ابْنِ السَّائِبِ : بِالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَعَنْ مُقَاتِلٍ : بِالْمَنِّ .
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْماً مَنُّوا بِإِسْلَامِهِمْ فَمَا ذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ وَالْكَبَائِرَ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يُرِدْ إلَّا إبْطَالَهَا بِالْكُفْرِ .
قِيلَ : ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ وَمُوجِبٌ لِلْخُلُودِ الدَّائِمِ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذَا بَلْ يَذْكُرُهُ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ .
كَقَوْلِهِ : { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ } وَنَحْوِهَا .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ وَفِي آيَةِ الْمَنِّ سَمَّاهَا إبْطَالاً وَلَمْ يُسَمِّهِ إحْبَاطاً ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ بَعْدَهَا الْكُفْرَ بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ } الْآيَةَ .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ إذَا دَخَلْتُمْ فِيهَا فَأَتِمُّوهَا وَبِهَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ .
قِيلَ : لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ إبْطَالِ بَعْضِ الْعَمَلِ فَإِبْطَالُهُ كُلُّهُ أَوْلَى بِدُخُولِهِ فِيهَا فَكَيْفَ وَذَلِكَ قَبْلَ فَرَاغِهِ لَا يُسَمَّى صَلَاةً وَلَا صَوْماً
مجموعة الفتاوى — صفحة 639
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٣٩