وَإِذَا دَعَا الْعَبْدُ رَبَّهُ بِإِعْطَاءِ الْمَطْلُوبِ وَدَفْعِ الْمَرْهُوبِ جَعَلَ لَهُ مِن الإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَرَجَائِهِ وَحَيَاةِ قَلْبِهِ وَاسْتِنَارَتِهِ بِنُورِ الْإِيمَانِ مَا قَدْ يَكُونُ أَنْفَع لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ عَرَضاً مِن الدُّنْيَا وَأَمَّا إذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَهُنَا الْمَطْلُوبُ قَدْ يَكُونُ أَنْفَعَ مِن الطَّلَبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ ، وَالْمَطْلُوبُ الذِّكْرُ وَالشُّكْرُ وَقِيَامُ الْعِبَادَةِ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ .
وَ ( الْمَقْصُودُ ) : أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَغْمُرُهُ فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ مَا يُرِيدُهُ الْعَبْدُ وَيُحِبُّهُ وَمَا يَخَافُهُ وَيَحْذَرُهُ كَائِناً مَنْ كَانَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } فَهِيَ فِيمَا يَغْمُرُهَا عَمَّا أُنْذِرَتْ بِهِ فَيَغْمُرُهَا ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا مِن النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ } أَيْ فِيمَا يَغْمُرُ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُبّ الْمَالِ وَالْبَنِينَ الْمَانِعِ لَهُمْ مِن المُسَارَعَةِ فِي الْخَيِّرَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } { الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } الْآيَاتِ : أَيْ سَاهُونَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَهُمْ فِي غَمْرَةٍ عَنْهَا أَيْ فِيمَا يَغْمُرُ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُبّ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا سَاهُونَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا خُلِقُوا لَهُ .
وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 596
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٩٦