تَرْكُ الْأَضْدَادِ هُوَ مِنْ لَوَازِمَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَيْسَ مَقْصُوداً لِلْأَمْرِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ عُوقِبَ عَلَى تَرْكِهِ لَا عَلَى فِعْلِ الْأَضْدَادِ الَّتِي اشْتَغَلَ بِهَا وَكَذَلِكَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَقْصُودُ النَّاهِي عَدَمَهُ ؛ لَيْسَ مَقْصُودُهُ فِعْلَ شَيْءٍ مِنْ أَضْدَادِهِ وَإِذَا تَرَكَهُ مُتَلَبِّساً بِضِدِّ لَهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّرْكِ .
وَعَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ حَرَاماً بِحَرَامِ آخَرَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الثَّانِي وَلَا يُقَالُ فَعَلَ وَاجِباً وَهُوَ تَرْكُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ الْأَوَّلِ ، فَالْمُبَاحُ الَّذِي اشْتَغَلَ بِهِ عَنْ مُحَرَّمٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَا بِامْتِثَالِهِ أَمْراً مَقْصُوداً ؛ لَكِنْ نُهِيَ عَنْ الْحَرَامِ وَمِنْ ضَرُورَةِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِضِدِّ مِنْ أَضْدَادِهِ فَذَاكَ يَقَعُ لَازِماً لِتَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَيْسَ هُوَ الْوَاجِبُ الْمَحْدُودُ بِقَوْلِنَا " الْوَاجِبُ مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ " أَوْ " يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَباً لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ " .
فَقَوْلُنَا : " مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ " أَوْ " يَجِبُ التَّوَصُّلُ إلَى الْوَاجِبِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ " يَتَضَمَّنُ إيجَابَ اللَّوَازِمِ .
وَالْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ " الْأَوَّلِ " وَ " الثَّانِي " .
فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيُعَاقَبُ ، وَالثَّانِي وَاجِبٌ وُقُوعاً أَيْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ وَيُؤْمَرُ بِهِ أَمْراً بِالْوَسَائِلِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ لَكِنْ الْعُقُوبَةُ لَيْسَتْ عَلَى تَرْكِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 532
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٣٢