وَهَذَا الْمَوْضِعُ تَفَرَّقَ فِيهِ بَنُو آدَمَ وَتَبَايَنُوا تَبَايُناً عَظِيماً لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ .
فَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَهُوَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ شَرُّ الْبَرِيَّةِ وَأَفْضَلُ الْأَحْوَالِ فِيهِ حَالُ الْخَلِيلَيْنِ : إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - وَمُحَمَّدٌ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَفْضَلُ الْأَوَّلِينَ والآخرين ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِمَامُهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا ، وَخَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا وَهُوَ الْمَعْرُوجُ بِهِ إلَى مَا فَوْقَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ - إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمَا .
وَأَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ " إبْرَاهِيمُ " كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { أَنَّ إبْرَاهِيمَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } " وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَةِ الْجُمْعَةِ : خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } " .
وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : " { مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَادِماً لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئاً قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ قَطُّ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ } " .
مجموعة الفتاوى — صفحة 502
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٠٢