وَالْغَالِبُ عَلَى الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْإِرَادَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ إرَادَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ فَتَرَكُوا إرَادَتَهُمْ لِغَيْرِ الْمَقْدُورِ .
قَالَ الشَّيْخُ : " فَعَلَامَةُ فَنَائِك عَنْ خَلْقِ اللَّهِ انْقِطَاعُك عَنْهُمْ ، وَعَنْ التَّرَدُّدِ إلَيْهِمْ ، وَالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ " .
وَهُوَ كَمَا قَالَ .
فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ لَا يَرْجُوهُمْ وَلَا يَخَافُهُمْ لَمْ يَتَرَدَّدْ إلَيْهِمْ لِطَلَبِ شَيْءٍ مِنْهُمْ وَهَذَا يُشْبِهُ بِمَا يَكُونُ مَأْمُوراً بِهِ مِن المَشْيِ إلَيْهِمْ لِأَمْرِهِمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهْيِهِمْ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ كَذَهَابِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِ الرُّسُلِ إلَى مَنْ يُبَلَّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ التَّوَكُّلَ إنَّمَا يَصِحُّ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ .
لِيَكُونَ عَابِداً لِلَّهِ مُتَوَكِّلاً عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ بِهِ ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَا أَضَاعَهُ مِن الأَمْرِ أَوْلَى بِهِ مِمَّا قَامَ بِهِ مِن التَّوَكُّلِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ كَمَا أَنَّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ وَلَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ فَلَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَا تَرَكَهُ مِن التَّوَكُّلِ وَالِاسْتِعَانَةِ أَوْلَى بِهِ مِمَّا فَعَلَهُ مِن الأَمْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ .
قَالَ الشَّيْخُ : " وَعَلَامَةُ فَنَائِك عَنْك وَعَنْ هَوَاك : تَرْكُ التَّكَسُّبِ ، وَالتَّعَلُّقُ بِالسَّبَبِ فِي جَلْبِ النَّفْعِ ، وَدَفْعِ الضُّرِّ فَلَا تَتَحَرَّكُ فِيك بِك ، وَلَا تَعْتَمِدُ عَلَيْك لَك وَلَا تَنْصُرُ نَفْسَك وَلَا تَذُبُّ عَنْك لَكِنْ تَكِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 491
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩١