وَأَمَّا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ اعْتَرَفَ أَوَّلاً بِذَنْبِهِ فَقَالَ : { ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ آدَمَ مَنْ يُنَازِعُهُ الْإِرَادَةَ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِمَّا يُزَاحِمُ الْإِلَهِيَّةَ بَلْ ظَنَّ صِدْقَ الشَّيْطَانِ الَّذِي { وَقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } { فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ } فَالشَّيْطَانُ غَرَّهُمَا وَأَظْهَرَ نُصْحَهُمَا فَكَانَا فِي قَبُولِ غُرُورِهِ وَمَا أَظْهَرَ مِنْ نُصْحِهِ حَالَهُمَا مُنَاسِباً لِقَوْلِهِمَا : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } لِمَا حَصَلَ مِن التَّفْرِيطِ لَا لِأَجْلِ هَوًى وَحَظٍّ يُزَاحِمُ الْإِلَهِيَّةَ وَكَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى أَنْ يَرُبَّهُمَا رُبُوبِيَّةً تُكْمِلُ عِلْمَهُمَا وَقَصْدَهُمَا .
حَتَّى لَا يَغْتَرَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهُمَا يَشْهَدَانِ حَاجَتَهُمَا إلَى اللَّهِ رَبِّهِمَا الَّذِي لَا يَقْضِي حَاجَتَهُمَا غَيْرُهُ .
وَذُو النُّونِ شَهِدَ مَا حَصَلَ مِن التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الْإِلَهِيَّةِ بِمَا حَصَلَ مِن المُغَاضَبَةِ وَكَرَاهَةِ إنْجَاءِ أُولَئِكَ فَفِي ذَلِكَ مِن المُعَارَضَةِ فِي الْفِعْلِ لِحُبِّ شَيْءٍ آخَرَ مَا يُوجِبُ تَجْرِيدَ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَتَأَلُّهِهِ لَهُ وَأَنْ يَقُولَ : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ } فَإِنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ : لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ يَمْحُو أَنْ يَتَّخِذَ إلَهَهُ هَوَاهُ .
وَقَدْ رُوِيَ { مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ إلَهٌ يُعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ } فَكَمَّلَ يُونُسُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَحْقِيقَ إلَهِيَّتِهِ لِلَّهِ وَمَحْوَ الْهَوَى الَّذِي يُتَّخَذُ إلَهاً مِنْ دُونِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عِنْدَ تَحْقِيقِ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ إرَادَةٌ تُزَاحِمُ إلَهِيَّةَ الْحَقِّ بَلْ كَانَ مُخْلِصاً لِلَّهِ الدِّينَ إذْ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ .
و ( أَيْضاً ) فَمِثْلُ هَذِهِ الْحَالِ تَعْرِضُ لِمَنْ تَعْرِضُ لَهُ فَيَبْقَى فِيهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 287
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٧