وَلَكِنَّ هَذِهِ " الْمَقَامَاتِ " يَنْقَسِمُ النَّاسُ فِيهَا إلَى خُصُوصٍ وَعُمُومٍ فَلِلْخَاصَّةِ خَاصُّهَا وَلِلْعَامَّةِ عَامُّهَا .
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَالُوا : " إنَّ التَّوَكُّلَ مُنَاضَلَةٌ عَنْ النَّفْسِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ وَالْخَاصُّ لَا يُنَاضِلُ عَنْ نَفْسِهِ .
وَقَالُوا : الْمُتَوَكِّلُ يَطْلُبُ بِتَوَكُّلِهِ أَمْراً مِن الأُمُورِ وَالْعَارِفُ يَشْهَدُ الْأُمُورَ بِفُرُوعِهَا مِنْهَا فَلَا يَطْلُبُ شَيْئاً " .
فَيُقَالُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ التَّوَكُّلَ أَعَمُّ مِن التَّوَكُّلِ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْمُتَوَكِّلَ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي صَلَاحِ قَلْبِهِ وَدِينِهِ وَحِفْظِ لِسَانِهِ وَإِرَادَتِهِ وَهَذَا أَهَمُّ الْأُمُورِ إلَيْهِ وَلِهَذَا يُنَاجِي رَبَّهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ بِقَوْلِهِ : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } وَقَوْلُهُ : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } وَقَوْلُهُ : { قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } فَهُوَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ يَجْمَعَانِ الدِّينَ كُلَّهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِن السَّلَفِ : إنَّ اللَّهَ جَمَعَ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ فِي الْقُرْآنِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ وَجَمَعَ عِلْمَ الْمُفَصَّلِ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَجَمَعَ عِلْمَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
وَهَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ هُمَا الْجَامِعَتَانِ اللَّتَانِ لِلرَّبِّ وَالْعَبْدِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ : الرَّحْمَنُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 18
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨