فَطَائِفَةٌ مِن المُفَسِّرِينَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا كَقَوْلِهِ : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إلَى ضُرٍّ مَسَّهُ } وَأَمْثَالُهَا مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي عُيُوبِ الْإِنْسَانِ وَذَمِّهَا فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ : هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْكَافِرُ فَيَبْقَى مَنْ يَسْمَعُ ذَلِكَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ فِي هَذَا الذَّمِّ وَالْوَعِيدِ نَصِيبٌ ؛ بَلْ يَذْهَبُ وَهْمُهُ إلَى مَنْ كَانَ مُظْهِراً لِلشِّرْكِ مِن العَرَبِ أَوْ إلَى مَنْ يَعْرِفُهُمْ مِنْ مُظْهِرِي الْكُفْرِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُشْرِكِي التُّرْكِ وَالْهِنْدِ .
وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ لِيَهْتَدِيَ بِهَا عِبَادُهُ .
فَيُقَالُ : - أَوَّلاً - : الْمُظْهِرُونَ لِلْإِسْلَامِ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ وَالْمُنَافِقُونَ كَثِيرُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَالْمُنَافِقُونَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِن النَّارِ .
وَيُقَالُ : " ثَانِياً " الْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ شُعْبَةٌ مِنْ نِفَاقٍ وَكُفْرٍ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ إيمَانٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : { أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ .
وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن النِّفَاقِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 105
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٥