الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ مَاهِيَّاتُهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ فَتَخَيَّلَ الغالط أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ وَالْمَاهِيَّاتِ أُمُورٌ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ .
وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي الذِّهْنِ .
وَالْمُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ أَوْسَعُ مِن المَوْجُودِ فِي الْأَعْيَانِ .
وَهُوَ مَوْجُودٌ وَثَابِتٌ فِي الذِّهْنِ وَلَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا مَوْجُوداً وَلَا ثَابِتاً ؛ فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ مَعَ دَعْوَى أَنَّ كِلَيْهِمَا فِي الْخَارِجِ غَلَطٌ عَظِيمٌ .
وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ الْحَقَائِقَ النَّوْعِيَّةَ كَحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ غَيْرُ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ وَأَنَّهَا أَزَلِيَّةٌ لَا تَقْبَلُ الِاسْتِحَالَةَ وَهَذِهِ الَّتِي تُسَمَّى : " الْمُثُلَ الأفلاطونية " .
وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى ذَلِكَ ؛ بَلْ أَثْبَتُوا أَيْضاً ذَلِكَ فِي الْمَادَّةِ وَالْمَاهِيَّةِ وَالْمَكَانِ فَأَثْبَتُوا مَادَّةً مُجَرَّدَةً عَنْ الصُّوَرِ ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ : وَهِيَ الْهَيُولَى الْأَوَّلِيَّةُ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا قِدَمَ الْعَالَمِ .
وَغَلَّطَهُمْ فِيهَا جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ .
وَالْكَلَامُ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ مِن الفَرْقِ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ وَوُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ .
وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ هِيَ مَا يَرْتَسِمُ فِي النَّفْسِ مِن الشَّيْءِ وَالْوُجُودَ مَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ ،
مجموعة الفتاوى — صفحة 98
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٨