لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْأَلْفَاظِ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ يَتَصَوَّرُ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ بِدُونِ لَفْظٍ وَالْمُسْتَمِعَ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَاطَبٍ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ لَا تُتَصَوَّرُ الْمُفْرَدَاتُ إلَّا بِالْحَدِّ .
( التَّاسِعُ : أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ الْمُتَصَوَّرَةَ إمَّا أَنْ يَتَصَوَّرَهَا الْإِنْسَانُ بِحَوَاسِّهِ الظَّاهِرَةِ كَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَالْأَجْسَامِ الَّتِي تَحْمِلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ الْبَاطِنَةِ كَالْجُوعِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وَكُلُّهَا غَنِيَّةٌ عَنْ الْحَدِّ .
( الْعَاشِرُ : أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْمُعْتَرِضِ : أَنْ يَطْعَنَ عَلَى الْحَدِّ بِالنَّقْضِ فِي الطَّرْدِ أَوْ فِي الْمَنْعِ وَبِالْمُعَارَضَةِ بِحَدِّ آخَرَ فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَمِعُ لِلْحَدِّ يُبْطِلُهُ بِالنَّقْضِ تَارَةً وَبِالْمُعَارَضَةِ أُخْرَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ كِلَيْهِمَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ تَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ عُلِمَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الْمَحْدُودِ بِدُونِ الْحَدِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
( الْحَادِيَ عَشَرَ : أَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مِن التَّصَوُّرَاتِ مَا يَكُونُ بَدِيهِيّاً لَا يَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ كَوْنُ الْعِلْمِ بَدِيهِيّاً أَوْ نَظَرِيّاً مِن الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ النَّظَرِيُّ عِنْدَ رَجُلٍ بَدِيهِيّاً عِنْدَ غَيْرِهِ لِوُصُولِهِ إلَيْهِ بِأَسْبَابِهِ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوْ قَرَائِنَ وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْإِدْرَاكِ تَفَاوُتاً لَا يَنْضَبِطُ فَقَدْ يَصِيرُ الْبَدِيهِيُّ عِنْدَ هَذَا دُونَ ذَاكَ بَدِيهِيّاً كَذَلِكَ أَيْضاً بِمِثْلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي حَصَلَتْ لِهَذَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 87
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٧