الْعِلْمِ فَيَدَّعُونَ الْعِلْمَ وَقَدْ تَكَلَّمُوا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ الَّتِي تَعُمُّ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللَّهُ بِلَا عِلْمٍ لَهُمْ بِهَا أَصْلاً : وَيَزِيدُ هَذَا بَيَاناً :
الْوَجْهِ الْخَامِسِ :
وَهُوَ أَنَّ الْمَبَادِئَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي جَعَلُوهَا مُفِيدَةً لِلْيَقِينِ - وَهِيَ الْحِسِّيَّاتُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ وَالْبَدِيهِيَّاتُ والتجريبيات وَالْحَدْسِيَّاتُ - لَا رَيْبَ أَنَّهَا تُفِيدُ الْيَقِينَ الْحِسِّيَّ .
فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا ؟ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى النَّفْيِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُمْ : لَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِدُونِهَا .
فَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ رُؤُوسِهِمْ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ وَإِيمَانٌ يَجِبُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ الْخَارِجِ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ .
وَمِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ صَارَ مُنَافِقاً وَتَزَنْدَقَ مَنْ نَافَقَ مِنْهُمْ .
وَصَارَ عِنْدَ عُقَلَاءِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ الْمَنْطِقَ مَظِنَّةُ التَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ وَالْعِنَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ حَتَّى حَكَى لَنَا بَعْضُ النَّاسِ : أَنَّ شَخْصاً مِن الأَعَاجِمِ جَاءَ لِيَقْرَأَ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِهِمْ مَنْطِقاً فَقَرَأَ مِنْهُ قِطْعَةً ثُمَّ قَالَ : حواجاً أَيْ بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ ؟ فَضَحِكُوا مِنْهُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 80
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٠