وَالْمَاءِ وَالْخَمْرِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَصَوَّرَ مَا أُخْبِرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مِن الغَيْبِ : لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْغَيْبُ مِثْلَ الشَّهَادَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ " .
فَإِنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِهَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ فِي الدُّنْيَا بِحَيْثُ يَجُوزُ عَلَى هَذِهِ مَا يَجُوزُ عَلَى تِلْكَ وَيَجِبُ لَهَا مَا يَجِبُ لَهَا وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا وَتَكُونُ مَادَّتُهَا مَادَّتَهَا وَتَسْتَحِيلُ اسْتِحَالَتَهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَاءَ الْجَنَّةِ لَا يَفْسُدُ وَيَأْسَنُ وَلَبَنَهَا لَا يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَخَمْرَهَا لَا يَصَّدَّعُ شَارِبُهَا وَلَا يُنْزِفُ عَقْلُهُ فَإِنَّ مَاءَهَا لَيْسَ نَابِعاً مِنْ تُرَابٍ وَلَا نَازِلاً مِنْ سَحَابٍ مِثْلَ مَا فِي الدُّنْيَا وَلَبَنَهَا لَيْسَ مَخْلُوقاً مِنْ أَنْعَامٍ كَمَا فِي الدُّنْيَا ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ ؛ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ فِي الِاسْمِ ؛ وَبَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وَتَشَابُهٌ ؛ عُلِمَ بِهِ مَعْنَى مَا خُوطِبْنَا بِهِ مَعَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ مِثْلَ الْحَقِيقَةِ فَالْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ لِمَا فِي الدُّنْيَا .
فَإِذَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَدِيرٌ ؛ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلاً لِخَلْقِهِ إذْ كَانَ بُعْدُهَا عَنْ مُمَاثَلَةِ خَلْقِهِ أَعْظَمَ مِنْ بُعْدِ مُمَاثَلَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صِغَارِ الْحَيَوَانِ لَهَا حَيَاةٌ وَقُوَّةٌ وَعَمَلٌ وَلَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِلْمَلَائِكَةِ الْمَخْلُوقِينَ ؛ فَكَيْفَ يُمَاثِلُ رَبُّ الْعَالَمِينَ شَيْئاً مِن المَخْلُوقِينَ .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ وَصَفَاتِهِ بِأَسْمَاءِ وَسَمَّى بِهَا بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ فَسَمَّى نَفْسَهُ حَيّاً عَلِيماً سَمِيعاً بَصِيراً عَزِيزاً جَبَّاراً مُتَكَبِّراً
مجموعة الفتاوى — صفحة 296
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٦