قَالُوا : فَنَقُولُ : إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ .
فَإِذَا ذُكِرَتْ إحْدَاهُمَا اُسْتُغْنِيَ بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِ عَنْ الْأُخْرَى فَتَرَكَ ذِكْرَهَا لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا .
قُلْنَا لَسْنَا نَجِدُ مُقَدِّمَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى صِحَّةِ نَتِيجَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ : الْجَوْهَرُ لِكُلِّ حَيٍّ وَالْحَيَاةُ لِكُلِّ إنْسَانٍ فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ أَنَّ الْجَوْهَرَ لِكُلِّ إنْسَانٍ فَسَوَاءٌ فِي الْعُقُولِ قَوْلُ الْقَائِلِ : الْجَوْهَرُ لِكُلِّ حَيٍّ وَقَوْلُهُ لِكُلِّ إنْسَانٍ .
وَلَا يَجِدُونَ مِن المَطَالِبِ الْعَمَلِيَّةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ يَقِفُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ بَيِّنَتَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ إحْدَاهُمَا كَافِيَةً .
وَنَقُولُ لَهُمْ أَرُونَا مُقَدِّمَتَيْنِ أُولَيَيْنِ لَا تَحْتَاجَانِ إلَى بُرْهَانٍ يَتَقَدَّمُهُمَا يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ .
وَتَكُونُ الْمُقَدِّمَتَانِ فِي الْعُقُولِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِن النَّتِيجَةِ فَإِذَا كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ بَطَلَ مَا ادَّعَيْتُمُوهُ .
قَالَ النوبختي : وَقَدْ سَأَلْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ أَنْ يُوجِدَ نِيَّةً فَمَا أَوْجَدَ نِيَّةً فَمَا ذَكَرَهُ أرسطاطاليس غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مَعْرُوفٍ .
قَالَ : فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن الشَّكْلَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَهُمَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَيْنِ عَلَى مَا بَنَاهُمَا عَلَيْهِ .
وَإِذَا كَانَا يَصِحَّانِ ؛ بِقَلْبِ مُقَدِّمَتَيْهِمَا حَتَّى يَعُودَا إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ .
فَالْكَلَامُ فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ هُوَ الْكَلَامُ فِيهَا . . انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّة : وَمَقْصُودُهُ أَنَّ سَائِرَ الْأَشْكَالِ إنَّمَا تُنْتَجُ بِالرَّدِّ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَسَائِرُ الْأَشْكَالِ وَنِتَاجُهَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فَإِنَّ الشَّكْلَ الْأَوَّلَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ جَمِيعَ الْمَوَادِّ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 232
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٢