الرَّابِعِ " فَإِنَّ كَوْنَ الْقِيَاسِ الْمُؤَلَّفِ مِن المُقَدِّمَتَيْنِ يُفِيدُ النَّتِيجَةَ هُوَ أَمْرٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ .
لَكِنَّ الَّذِي بَيَّنَهُ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ الْمَنْسُوبِ إلَى أَرِسْطُو : أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صُوَرِ الْقِيَاسِ وَمَوَادِّهِ مَعَ كَثْرَةِ التَّعَبِ الْعَظِيمِ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ عِلْمِيَّةٌ .
بَلْ كُلُّ مَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ بِقِيَاسِهِمْ يُمْكِنُ عِلْمُهُ بِدُونِ قِيَاسِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ فِي قِيَاسِهِمْ مَا يُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِالْمَجْهُولِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بِدُونِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِدُونِهِ .
فَصَارَ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ فِي الْعِلْمِ وُجُوداً وَعَدَماً وَفِيهِ تَطْوِيلٌ كَثِيرٌ مُتْعِبٌ فَهُوَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي الْعِلْمِ فِيهِ إتْعَابُ الْأَذْهَانِ وَتَضْيِيعُ الزَّمَانِ وَكَثْرَةُ الْهَذَيَانِ وَالْمَطْلُوبُ مِن الأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ بَيَانُ الْعِلْمِ وَبَيَانُ الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْعِلْمِ .
قَالُوا : وَهَذَا لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِن الأَسْبَابِ الْمُعَوِّقَةِ لَهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ تَعَبِ الذِّهْنِ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ لِيَذْهَبَ إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا مِن البِلَادِ فَإِذَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ الْمَعْرُوفَ وَصَلَ فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ بِسَعْيٍ مُعْتَدِلٍ فَإِذَا قُيِّضَ لَهُ مَنْ يَسْلُكُ بِهِ التَّعَاسِيفَ : - وَالْعَسْفُ فِي اللُّغَةِ الْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ بِحَيْثُ يَدُورُ بِهِ طُرُقاً دَائِرَةً وَيَسْلُكُ بِهِ مَسَالِكَ مُنْحَرِفَةً - فَإِنَّهُ يَتْعَبُ تَعَباً كَثِيراً حَتَّى يَصِلَ إلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ إنْ وَصَلَ وَإِلَّا فَقَدْ يَصِلُ إلَى غَيْرِ الْمَطْلُوبِ .
فَيَعْتَقِدُ اعْتِقَادَاتٍ فَاسِدَةً وَقَدْ يَعْجِزُ بِسَبَبِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 207
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠٧