بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا يَتِمُّ الْبُرْهَانُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِهَا فَيُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْحَدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَهَذَا الْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ ؛ فَإِنْ شَكَّ عَقْلُهُ وَجَوَّزَ أَنْ يُحْدِثَ هُوَ بِلَا مُحْدَثٍ أَحْدَثَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ وَهُوَ مُمْكِنٌ - يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ - بِدُونِ مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ وُجُودَهُ جُوِّزَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِن المُحْدَثَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ وَإِنْ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَحْتَجْ عِلْمُهُ بِالنَّتِيجَةِ الْمُعَيَّنَةِ - وَهُوَ قَوْلُنَا : وَهَذَا مُحْدَثٌ فَلَهُ مُحْدِثٌ أَوْ هَذَا مُمْكِنٌ فَلَهُ مُرَجِّحٌ - إلَى الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ .
وَمِمَّا يُوضِحُ هَذَا : أَنَّك لَا تَجِدُ أَحَداً مِنْ بَنِي آدَمَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ مَطْلُوباً بِالنَّظَرِ وَيَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِقِيَاسِ بُرْهَانِيٍّ يَعْلَمُ صِحَّتَهُ إلَّا وَيُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِهِ بِدُونِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ الْمَنْطِقِيِّ ؛ وَلِهَذَا لَا تَجِدُ أَحَداً مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْعُقَلَاءِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ يَنْظِمُ دَلِيلَهُ مِن المُقَدِّمَتَيْنِ كَمَا يَنْظِمُهُ هَؤُلَاءِ بَلْ يَذْكُرُونَ الدَّلِيلَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْمَدْلُولِ ثُمَّ الدَّلِيلُ قَدْ يَكُونُ مُقَدِّمَةً وَاحِدَةً وَقَدْ يَكُونُ مُقَدِّمَتَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثَ مُقَدِّمَاتٍ بِحَسَبِ حَاجَةِ النَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ ؛ إذْ حَاجَةُ النَّاسِ تَخْتَلِفُ .
وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُحَصِّلِ .
وَبَيَّنَّا تَخْطِئَةَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ لِمَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عِلْمٍ نَظَرِيٍّ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُمَا .
وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْخُذَهُ مِن المَوَادِّ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ بِهَا فَسَادُ مَنْطِقِهِمْ .
وَأَمَّا إذَا أَخَذْته مِن المَوَادِّ الْمَعْلُومَةِ بِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ الِاحْتِيَاجُ إلَى الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ كَمَا إذَا أَرَدْنَا تَحْرِيمَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 109
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٩