تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وَمَنْ قَالَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ نُبُوَّتَهُ فَأَظْهَرَهَا وَأَعْلَنَهَا بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِ آدَمَ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْتُبُ رِزْقَ الْمَوْلُودِ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقَاوَتَهُ وَسَعَادَتَهُ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِهِ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَمَا فِي حَدِيثِ العرباض بْنِ سَارِيَةَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ } وَفِي رِوَايَةٍ { إنِّي عَبْدُ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لمجندل فِي طِينَتِهِ وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى وَرُؤْيَا أُمِّي رَأَتْ حِينَ وَلَدَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ } . وَكَثِيرٌ مِن الجُهَّالِ الْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ يَرْوِيهِ { كُنْت نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ } { وَآدَمُ لَا مَاءَ وَلَا طِينَ } وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ وُجُودَهُ بِعَيْنِهِ وَآدَمُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ بَلْ الْمَاءُ بَعْضُ الطِّينِ لَا مُقَابِلُهُ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ قَالَ : السَّابِقُ نَفْسُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فَقَدْ كَذَبَ ؛ فَإِنَّ السَّعَادَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ السَّعِيدُ وَكَذَلِكَ الشَّقَاوَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الشَّقِيِّ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ وَالرِّزْقَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْعَامِلِ وَلَا يَصِيرُ رِزْقاً إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمُرْتَزِقِ ، وَإِنَّمَا السَّابِقُ هُوَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ وَتَقْدِيرُهُ لَا نَفْسُهُ وَعَيْنُهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْعَمَلُ - أَيْضاً - سَابِقٌ كَسَبْقِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَكِلَاهُمَا مَعْلُومٌ مُقَدَّرٌ وَهُمَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 283 | ابن تيمية