تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً الَّذِينَ اُمْتُحِنُوا فَثَبَتُوا عَلَى الْإِيمَانِ وَلَا مِن المُنَافِقِينَ حَقّاً الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِيمَانِ بِالْمِحْنَةِ . وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِن المُسْلِمِينَ فِي زَمَانِنَا أَوْ أَكْثَرِهِمْ إذَا اُبْتُلُوا بِالْمِحَنِ الَّتِي يَتَضَعْضَعُ فِيهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ يَنْقُصُ إيمَانُهُمْ كَثِيراً وَيُنَافِقُ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ الرِّدَّةَ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ غَالِباً ؛ وَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى غَيْرُنَا مِنْ هَذَا مَا فِيهِ عِبْرَةٌ . وَإِذَا كَانَتْ الْعَافِيَةُ أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ ظَاهِرِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ . وَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ بَاطِناً وَظَاهِراً لَكِنْ إيمَاناً لَا يَثْبُتُ عَلَى الْمِحْنَةِ . وَلِهَذَا يَكْثُرُ فِي هَؤُلَاءِ تَرْكُ الْفَرَائِضِ وَانْتِهَاكُ الْمَحَارِمِ . وَهَؤُلَاءِ مِن الذِينَ قَالُوا : { آمَنَّا } فَقِيلَ لَهُمْ : { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } أَيْ الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ الَّذِي أَهْلُهُ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ إذَا أُطْلِقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ رَيْبٌ عِنْدَ الْمِحَنِ الَّتِي تُقَلْقِلُ الْإِيمَانَ فِي الْقُلُوبِ وَالرَّيْبُ يَكُونُ فِي عِلْمِ الْقَلْبِ وَفِي عَمَلِ الْقَلْبِ ؛ بِخِلَافِ الشَّكِّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعِلْمِ وَلِهَذَا لَا يُوصَفُ بِالْيَقِينِ إلَّا مَنْ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ عِلْماً وَعَمَلاً ؛ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ عَالِماً بِالْحَقِّ ؛ وَلَكِنَّ الْمُصِيبَةَ أَوْ الْخَوْفَ أَوْرَثَهُ جَزَعاً عَظِيماً لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ يَقِينٍ . قَالَ تَعَالَى : { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 281 | ابن تيمية