وَيُذْكَرُ أَيْضاً لَفْظُ الْمُؤْمِنِينَ مَقْرُوناً بِاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ثُمَّ يَقُولُ : { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فَالْمُؤْمِنُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْخِطَابِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ ، وَالْإِيمَانُ الْآخِرُ عَمَّهُمْ ؛ كَمَا عَمَّهُمْ فِي قَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } .
وَسَنَبْسُطُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَالْمَقْصُودُ هُنَا ) الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ مِن الإِيمَانِ .
وَأَمَّا الْعُمُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَلَلِ ؛ فَتِلْكَ " مَسْأَلَةٌ أُخْرَى " .
فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِيمَانَ مَعَ الْإِسْلَامِ ؛ جَعَلَ الْإِسْلَامَ هُوَ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ : الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ .
وَجَعَلَ الْإِيمَانَ مَا فِي الْقَلْبِ مِن الإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .
وَهَكَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ } .
وَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ الْإِيمَانِ مُجَرَّداً ؛ دَخَلَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ : { الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ } .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا أَعْمَالُ الْبِرِّ مِن الإِيمَانِ .
ثُمَّ إنَّ نَفْيَ " الْإِيمَانِ " عِنْدَ عَدَمِهَا ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَإِنْ ذَكَرَ فَضْلَ إيمَانِ صَاحِبِهَا - وَلَمْ يَنْفِ إيمَانَهُ - دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 14
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤